محمد بن جرير الطبري

236

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة ، ولا ترتدوا يقول : لا ترجعوا القهقري مرتدين على أدباركم يعني : إلى ورائكم ، ولكن امضوا قدما لأمر الله الذي أمركم به من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم والهجوم عليهم في أرضهم ، وأن الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنا وقرارا . ويعني بقوله : فتنقلبوا خاسرين : أنكم تنصرفوا خائبين هكذا . وقد بينا معنى الخسارة في غير هذا الموضع بشواهده المغنية عن إعادته في هذا الموضع . فإن قال قائل : وما كان وجه قيل موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة لا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ؟ أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له ؟ قيل : إن الله عز ذكره كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به وفرض عليهم دخولها ، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم . إذا فرض الله عليهم من وجهين : أحدهما تضييع فرض الجهاد الذي كان الله فرضه عليهم . والثاني : خلافهم أمر الله في تركهم دخول الأرض ، وقولهم لنبيهم موسى ( ص ) إذ قال لهم ادخلوا الأرض المقدسة : إنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . كان قتادة يقول في ذلك بما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم أمروا بها كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون ) * . . وهذا خبر من الله جل ثناؤه عن جواب قوم موسى عليه السلام ، إذا أمرهم بدخول الأرض المقدسة ، أنهم أبوا عليه إجابة إلى ما أمرهم به من ذلك ، واعتلوا عليه في ذلك بأن قالوا : إن في الأرض المقدسة التي تأمرنا بدخولها قوما جبارين لا طاقة لنا بحربهم ولا قوة لنا بهم . وسموهم جبارين ، لأنهم كانوا بشدة بطشهم وعظيم خلقهم فيما ذكر لنا قد قهروا